أطلق منتزه شياتانوي لغابات المانغروف، وهو من أكبر الأراضي الرطبة المدّية المستصلحة في مقاطعة فوجيان بشرقي الصين، سلسلة من الأنشطة الخاصة بالتنوع البيولوجي البحري خلال عطلة نهاية الأسبوع احتفاءً بـ اليوم العالمي للمحيطات الذي يوافق 8 يونيو، مستعرضاً مسيرة تحوّله من منطقة ملوثة لتربية الأحياء المائية إلى محمية بيئية عالمية المستوى.
ويتضمن الحدث، الذي يستمر ثلاثة أيام، إطلاق دليل علمي مصوّر جديد حول حماية الأنواع الحية في المناطق المدّية، إلى جانب سوق محلية متخصصة بالبيئة البحرية، تسلط الضوء على نموذج لإعادة تأهيل السواحل اعترفت به الأمم المتحدة بوصفه مخططا علميا يحتذي به.
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تدهورت هذه الأراضي المدّية الطبيعية نتيجة التوسع في مزارع الاستزراع المائي التجارية، حيث أدت مخلفات التربية المائية إلى تدمير غابات المانغروف الأصلية.
وجاءت نقطة التحول في مطلع الألفية الجديدة عندما أطلق فريق بحثي بقيادة الأكاديمي الراحل لين بنغ، الذي يُعد من رواد أبحاث المانغروف الحديثة في الصين، مشروعاً تجريبياً على مساحة خمسة هكتارات فوق الأراضي الطينية الملوثة لاختبار إمكانية استعادتها بيئياً.
وبعد نجاح التجارب الأولية، وسّعت حكومة مدينة شيامن نطاق المشروع لتصبح حملة شاملة متعددة المراحل للإصلاح البيئي واستعادة النظم الإيكولوجية، مما أسفر عن استصلاح نحو 85 هكتاراً من غابات المانغروف.
ووفقاً لبيانات جمعتها جامعة شيامن، فقد أحدثت الغابة المستعادة، التي تمتد على مساحة 85 هكتاراً، تحولاً جذرياً في الشبكة الغذائية المحلية، ما أدى إلى عودة واسعة النطاق للحياة البرية الأصلية.
وقال يانغ شنغتشانغ، الأستاذ المشارك في كلية البيئة والإيكولوجيا بجامعة شيامن، إن غابات المانغروف المستعادة أصبحت تؤدي دور المنتج الأولي في النظام البيئي، يدعم شبكة غذائية معقدة ومتوازنة ويحفز تعافياً بيولوجياً ملحوظاً.
وأظهرت أحدث البيانات أن إجمالي تنوع الأنواع في المنتزه قد ارتفع بمقدار 2.4 مرة مقارنة بالفترة ما قبل عمليات الاستعادة، في حين زادت الكتلة الحيوية للأسماك بمقدار 2.99 مرة، والرخويات بمقدار 4.76 مرة، والقشريات بمقدار 1.19 مرة.
وعلى أرض الواقع، وعند انحسار المد، تكشف الأراضي الطينية المكشوفة عن نظام بيئي نشط في المناطق المديّة، حيث تنتشر أعداد كبيرة من سرطانات الكمان وسمك القافز الطيني عبر هذه المسطحات، مكوّنة موائل غنية بالغذاء تجذب أسراب البلشونات وطيور مالك الحزين من بين أشجار المانغروف.
وقال يانغ: "في الماضي، كانت المنطقة تجذب الطيور المائية فقط، أما اليوم فعندما تسير على الممرات الخشبية، يمكنك أيضا مشاهدة أعداد كبيرة من طيور الغابات، وقد تم تسجيل 76 نوعاً من الطيور حتى الآن. ويُعد هذا التدفق المباشر للأنواع دليلاً واضحاً على تحسن البيئة".
ومع نضوج المجتمع البيولوجي في المنطقة، تعاظمت الوظائف البيئية للغابة. فشبكات الجذور الكثيفة باتت تشكل حاجزاً طبيعياً مهماً في مواجهة العواصف، كما تبين أن قدرتها على احتجاز الكربون تفوق مساحات مماثلة من الغابات البرية بما يتراوح بين مرتين وخمس مرات.
ولم يقتصر تأثير المنتزه على مؤشرات التنوع البيولوجي فحسب، بل أصبح أيضاً نموذجاً مميزاً في مجال الدبلوماسية المناخية.
فقد استُخدم جزء مخصص من غابات المانغروف المستعادة لتعويض كامل انبعاثات الكربون الناتجة عن قمة بريكس في شيامن عام 2017، لتصبح بذلك أول اجتماع دولي معتمد "محايد كربونياً" في تاريخ مجموعة بريكس، وليحصل الموقع على تسمية رسمية هي "غابة بريكس للحياد الكربوني".
وزار المنتزه عام 2018 بيتر طومسون، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالمحيطات، ثم عاد إليه مجدداً عام 2023 خلال أسبوع شيامن الدولي الثامن عشر للمحيطات، مشيداً به بوصفه نموذجاً ناجحاً لاستعادة غابات المانغروف.
ومنذ يناير 2023، استقبلت مرافق المنتزه، التي تضم نظام ممرات خشبية مرتفعة بطول 4.2 كيلومترات وخمسة أرصفة مخصصة للمشاهدة ومسارات عبر الجزر، أكثر من ثلاثة ملايين زائر.
كما يؤدي المنتزه دوراً تعليمياً مهماً بوصفه فصلاً دراسياً مفتوحاً في الهواء الطلق. فقد نظمت المؤسسات التعليمية أكثر من 500 ورشة عمل تفاعلية في الموقع، أتاحت لأكثر من 150 ألف طالب فرصة مشاهدة ظاهرة الإنبات الولودي لأشجار المانغروف عن قرب، والتعرف على الجذور التنفسية الفريدة، ومتابعة الكائنات الحية التي تعيش في المناطق المدّية.
وقال يانغ: "يتفاعل التلاميذ الصغار بدرجة عالية مع هذه السرديات البيئية. سواء كانوا يستكشفون الممرات المرتفعة، أو يسيرون فوق الأراضي الطينية مباشرة، أو حتى يتعرضون لقرصة من أحد السرطانات، فإن هذه التجارب العملية تساعدهم على تحويل المعرفة النظرية الواردة في الكتب المدرسية إلى فهم راسخ لأهمية حماية البيئة البحرية".