عربي

معاهدة أعالي البحار تعيد رسم قواعد حوكمة المحيطات العالمية

لطالما مثّلت أعالي البحار، على مدى قرون، مبدأً جوهريًا هو: الحرية. فقد تمتعت الدول بحقوق واسعة في الملاحة، وصيد الأسماك، وإجراء البحوث العلمية في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية، بينما تخضع الموارد المعدنية في قاع البحار الدولي لمبدأ اعتبارها تراثًا مشتركًا للبشرية. وطالما ظل هذان المبدآن متوافقين إلى حدّ كبير، حافظ النظام القانوني القائم على قدر ملحوظ من الاستقرار.

غير أن الحفاظ على هذا التوازن بات يزداد صعوبة.

ففي يناير، دخل الاتفاق المبرم في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بشأن حفظ التنوع البيولوجي البحري واستخدامه المستدام في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية — المعروف أيضًا باسم «اتفاق BBNJ» أو «معاهدة أعالي البحار» — حيز النفاذ. ويُعد هذا الاتفاق، الذي جاء ثمرة ما يقرب من عقدين من المفاوضات، أهم تطور في القانون الدولي للبحار منذ اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. والأهم من ذلك أنه يجسد تحولًا أوسع في حوكمة المحيطات العالمية — من تعظيم فرص الوصول إلى إعطاء الأولوية لضمان الاستدامة.

ويأتي هذا الاتفاق في وقت أصبحت فيه أوجه القصور في إطار الحوكمة القائم أكثر وضوحًا. فالمناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية، بما في ذلك أعالي البحار والمنطقة الدولية لقاع البحار، تشكل ما يقرب من ثلثي مساحة محيطات العالم. ومع ذلك، ظلت حوكمة هذه المياه مجزأة لفترة طويلة. فعلى الرغم من إشراف هيئات دولية مختلفة على الملاحة، ومصايد الأسماك، والتعدين في قاع البحار، وغيرها من الأنشطة، لم يوجد إطار قانوني موحد يعالج بصورة شاملة مسألة حفظ التنوع البيولوجي البحري في هذه المناطق.

وقد أدى ذلك إلى تزايد الضغوط على النظم البيئية البحرية. فالتقدم العلمي والتكنولوجي جعل الموارد الوراثية البحرية والمعادن الموجودة في أعماق البحار، التي كان الوصول إليها في السابق بالغ الصعوبة، أكثر قيمة، مما زاد من حدة التنافس على موارد المحيطات الناشئة. وفي الوقت نفسه، كشف فقدان التنوع البيولوجي، وتغير المناخ، والتلوث البحري، عن أوجه القصور في ترتيبات الحوكمة التي صُممت أساسًا لخدمة استغلال الموارد بدلًا من حماية النظم البيئية.

ويسعى اتفاق BBNJ إلى سد هذه الفجوة. فمن خلال وضع قواعد تنظم الموارد الوراثية البحرية، وأدوات الإدارة القائمة على المناطق، مثل المناطق البحرية المحمية، وتقييمات الأثر البيئي، إلى جانب بناء القدرات ونقل التكنولوجيا، يضع الاتفاق أول إطار شامل للتنفيذ مخصص لحفظ التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية.

غير أن أهمية الاتفاق تتجاوز بكثير نطاق الحوكمة البيئية. فكما هو الحال في العديد من الاتفاقيات الدولية، لا يتعلق اتفاق BBNJ فقط بما ينظمه، بل أيضًا بمن يشارك في صياغة القواعد. فالقرارات المتعلقة بالمناطق البحرية المحمية، والوصول إلى الموارد الوراثية البحرية، وإجراء تقييمات الأثر البيئي، ستؤثر حتمًا في أنماط استغلال الموارد مستقبلًا. وقد تجد الدول التي تمتلك قدرات علمية أقوى، وتقنيات بحرية أكثر تقدمًا، وإمكانات أكبر في مجال الرصد، نفسها في موقع أفضل للمشاركة في هذه العمليات والإسهام في تشكيل التنفيذ العملي للمعاهدة.

وتُعد هذه المشاركة مشروعة تمامًا في إطار الاتفاق. لكنها توضح أيضًا أن تنفيذ الاتفاق سينطوي حتمًا على اعتبارات استراتيجية إلى جانب الأبعاد البيئية. ومع انتقال الحوكمة تدريجيًا من مبدأ الحرية الواسعة إلى نظام أكثر تنظيمًا، تصبح مسألة توزيع النفوذ بشأن المشاعات العالمية قضية ذات أهمية متزايدة في حد ذاتها.

ولهذا السبب، من المرجح أن يكون تنفيذ المعاهدة أكثر تعقيدًا من التفاوض بشأنها. فالجغرافيا السياسية تظل واقعًا لا يمكن تجاهله. فقد وقعت الولايات المتحدة على الاتفاق لكنها لم تصادق عليه بعد، بينما لم توقّع روسيا عليه حتى الآن، مما يحد من عالمية المعاهدة. وعلى المستوى المؤسسي، ستتطلب العلاقة بين اتفاق BBNJ والهيئات القائمة، بما في ذلك المنظمة البحرية الدولية، والسلطة الدولية لقاع البحار، والمنظمات الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك، تنسيقًا دقيقًا لضمان أن تكمل المعاهدة الاختصاصات القائمة بدلًا من أن تقوضها.

وتشكل الفوارق في القدرات الوطنية تحديًا آخر. فالتنفيذ الفعّال لا يعتمد فقط على الالتزامات القانونية، بل يتطلب أيضًا خبرات علمية، وموارد مالية، وقدرات تكنولوجية. ومن ثم، فإن تمكين البلدان النامية من المشاركة بصورة فعالة من خلال بناء القدرات ونقل التكنولوجيا سيكون عنصرًا أساسيًا لضمان أن يحقق الاتفاق حوكمة شاملة بحق.

كما ينبغي ألا تتحول أدوات الحفظ نفسها إلى مصدر جديد للخلاف. فإجراءات الإدارة القائمة على المناطق تهدف إلى حماية النظم البيئية البحرية، لا إلى خلق أشكال جديدة من التنافس على الفضاء البحري. وسيظل الحفاظ على توازن مناسب بين الحفظ والاستخدام المستدام أحد أهم الاختبارات التي ستواجه الاتفاق.

وفي هذا السياق، دأبت الصين على دعم المعاهدة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة تحقيق الحفظ الفعّال وضمان المشاركة العادلة. فبصفتها مشاركةً كاملةً طوال عملية التفاوض، ومن أوائل الدول التي صدقت على الاتفاق، حرصت الصين على حماية المصالح المشروعة للبلدان النامية، وفي الوقت نفسه أسهمت بنشاط في تطور حوكمة المحيطات العالمية. كما تعكس الإعلانات التي أصدرتها عند التصديق على الاتفاق، بما في ذلك ما يتعلق بعدم الأثر الرجعي، ونطاق تطبيق المعاهدة، واحترام الأطر القانونية الدولية القائمة، واتخاذ القرارات بتوافق الآراء، دعمها للاتفاق والتزامها باليقين القانوني.

وعلاوة على ذلك، عملت الصين على تعزيز التعاون الدولي في مجالات الموارد الوراثية البحرية، وبناء القدرات، ونقل التكنولوجيا. كما أن ترشحها لاستضافة أمانة المعاهدة في مدينة شيامن بمقاطعة فوجيان يجسد استعدادها لتقديم المنافع العامة العالمية في مجال حوكمة المحيطات العالمية، ودعم التنفيذ طويل الأمد للمعاهدة.

تمثل معاهدة أعالي البحار تطورًا مهمًا في حوكمة المشاعات العالمية. غير أن نجاحها لن يعتمد على نصها فحسب، بل على كيفية تنفيذ الدول لها على أرض الواقع. ويتمثل التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الحفظ والاستخدام المستدام، وتعزيز التعاون الدولي دون المساس بالحقوق المشروعة، وضمان أن تظل المحيطات فضاءً مشتركًا تحكمه قواعد تتسم بالفعالية والإنصاف. ومع انتقال المعاهدة من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ، فإن هذا التوازن، لا الاتفاق نفسه، هو الذي سيحدد ما إذا كان هذا الفصل الجديد في حوكمة المحيطات سيحقق ما يُعلَّق عليه من آمال.


إخلاء المسؤولية

يقوم BBNJ شيامن باقتباس أو إعادة نشر التقارير الإعلامية لأغراض غير ربحية، بهدف تعزيز تبادل المعلومات ومشاركتها. ولا يُعد هذا الاقتباس أو إعادة النشر ضماناً لصحة أو دقة أو قانونية المحتوى المنشور في الأساس، كما لا يُمثل تأييداً أو تبنياً للمواقف أو الآراء الواردة فيه، ولا يعكس بالضرورة الموقف الرسمي لـ BBNJ شيامن. وتظل جميع حقوق النشر والمسؤوليات القانونية المتعلقة بالمحتوى المُعاد نشره أو المُقتبس منه ملكاً للجهات الإعلامية الأصلية ومؤلفيها.
إذا رأت أي جهة أو فرد أن أي محتوى مُعاد نشره على هذا الموقع ينتهك حقوقه أو مصالحه المشروعة، يُرجى إخطارنا خطياً في أقرب وقت ممكن، مع تقديم شرح مفصل وأسباب الطلب والوثائق أو الأدلة الداعمة ذات الصلة. وعند استلام هذه المواد، سنقوم باتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب، بما في ذلك حذف المحتوى المعني أو تصحيحه أو إضافة التوضيحات اللازمة أو اتخاذ أي تدابير أخرى ملائمة.
قد تختلف المعلومات الواردة في المحتوى المُقتبس أو المُعاد نشره من حيث حداثتها أو توقيت نشرها، لذا يُنصح المستخدمون بإجراء تقييم مستقل لدقة المعلومات واكتمالها. ولا يتحمل هذا الموقع أي مسؤولية عن أي أضرار أو خسائر مباشرة أو غير مباشرة أو عرضية أو تبعية أو خاصة أو عقابية أو تأديبية قد تنشأ عن استخدام أو عن عدم القدرة على استخدام المعلومات أو الروابط الواردة فيه.
يحترم BBNJ شيامن حقوق الملكية الفكرية ويلتزم التزاماً راسخاً بتقديم خدمات محتوى عالية الجودة في إطار قانوني متوافق مع الأنظمة والقوانين المعمول بها.

حقوق النشر © www.bbnjxiamen.cn. جميع الحقوق محفوظة.

闽ICP备17027784号-5